Khazen

جاد ابو جودة- في الخامس والعشرين من آذار الفائت، وبعد تردد دام يومين لأسباب مجهولة، قرر النائب السابق فريد هيكل الخازن أن يُقحِمَ اسمه في ملف يتعلق بعدم تنفيذ حكم قضائي مبرم صادر قبل ثلاثة عشر عاماً، أثارته صحيفة "النهار" في الخامس والعشرين من شباط، وذكَّر به العماد ميشال عون في الثالث والعشرين من آذار، بعد الاجتماع الأسبوعي لتكتل التغيير والإصلاح.

في غرفة صغيرة، حشد فريد هيكل الخازن مجموعة من أنصاره والموظفين لديه، جاهزين للتصفيق عند اللزوم. وإلى جانب المراسلين الصحافيين الذين حضروا لتغطية وقائع مؤتمره الصحافي، استحضر النائب السابق عدداً من منتحلي صفتي الصحافة والإعلام، المعروفين بتسكعهم اليومي عند مدخل أحد الصروح، مستعطين "هدية" مخفية من هنا، أو رشوة علنية من هناك.

"من أنت لتعيِّرَ الناسَ في كل يوم، وكم هو عمرك في السياسة؟ إذا كان عمرك ثلاثين سنة (…)، فنحن عمرنا ألف سنة في السياسة، وأنا عمري ألف سنة في السياسة أيضاً".

هكذا خاطب فريد هيكل الخازن نائب كسروان ورئيس القوة السياسية الأكبر على الساحة المسيحية.

وأضاف، متوجهاً إلى العماد عون: "من تظنُّ أنك تكون (…)، ومن أنت لتسعى إلى الدخول بين آل الخازن والإكليروس؟ ما هي أفضالك على الإكليروس؟ نحن منذ ألف سنة أملاكنا وأرواحنا وحياتنا وكل شيء نملكه هو في سبيل الإكليروس، أما أنت فما هي أفضالك (…)؟ ما هو فضل أبيك وجدك وجد جدك على الإكليروس (…)"؟

لن نعود إلى سائر ما أدلى به فريد هيكل الخازن، ففي مستواه ما لا يليق إلا بمن أطلقه، لكن ما سبق من كلام نافر يستدعي التوقف عنده، خصوصاً لناحية مضمونه النادر، المعبِّر عن عقلية في التعاطي السياسي، ليست بالتأكيد بنت لبنان عام 2010، سواء بالنسبة إلى الإقرار العلني، الواضح والصريح، بنقطتين رئيستين: إقطاعية محورها التمييز بين الناس، وتمنين بأفضال معينة على الأكليروس والكنيسة.

بالنسبة إلى النقطة الأولى، وفي صورة تاريخية عامة يبدو أنها جزء من شخصية فريد هيكل الخازن، الإقطاعيون أساساً طبقة من كبار ملاكي الأراضي، ارتبط الفلاحون بالعمل والسكن فيها، في مقابل "عبودية" تحولت لاحقاً أعمال سخرة جماعية، غير أن الفكرة بأكملها سقطت تدريجاً في أوروبا منذ الثورة الفرنسية عام 1789.

أما في الحال اللبنانية، فالإقطاعي السياسي- إذا وضعنا جانباً أملاكه وموظفيه المظلومين- يعتبر نفسه "مالك" التمثيل السياسي ومحتكره، ويرى في كل نفحة حرية تهديداً لنفوذه وفساده، غير أن هذا الواقع سقط في كسروان تحديداً منذ الانتخابات النيابية عام 2005.

أما لناحية التمنين بأفضال إقطاعية معينة على الإكليروس، فيربطه أحد رجال الدين المسيحيين بتاريخ العلاقة بين الكنيسة والسلطة السياسية، معتبراً أن الطرفين تبادلا الأفضال عبر التاريخ، إذا جاز التعبير: الكنيسة كانت ترعى الحياة الروحية لجميع الناس، غير أنها- وفي مقابل تعرضها لاضطهادات كثيرة- اضطرت إلى الاستعانة بالقوى العسكرية التابعة للزعامات الإقطاعية لحمايتها.

ويتابع رجل الدين المذكور: إذا كان هذا من أفضال الإقطاعيين، فيمكن القبول به انطلاقاً من منطق التاريخ، أما الحديث عن أفضال مادية، فهو مرفوض، خصوصاً إذا كانت الأوقاف هي المقصودة.

ويضيف رجل الدين الذي يصرُّ على التعميم: لا يجوز أن يمنن أحد الكنيسة بالأوقاف، فهي في غالبيتها ليست تقدمة جديدة، بل مصدرها الآباء والأجداد، والتمنين بالعطاء والهبة غير جائز، لأنهما عندها لا يكونان من القلب، بل ينمّان عن مصلحة.

ويشدد رجل الدين المذكور على أن الأوقاف بقديمها وجديدها لا تقيّد الكنيسة، ولا تلزمها مواقف محددة، سواء بدعم هذا أو ذاك من السياسيين، ويسأل: الكنيسة تقبلت عبر التاريخ هبات من مسلمين، فهل ترتهن لهم؟ الأمر مستحيل… تماماً كالتمييز بين الناس التي ساوت بينهم شرائع الله والإنسان، فيما يرفض البعض الإقرار بحقهم في تغيير النواب عبر الانتخاب…