Khazen

 

حديث النائب فريد الخازن الى صحيفة الخليج الاماراتية
                                                                       
"إدارة التحرير" استطلاع ذكرى حرب تموز 2006
                         
بيروت- "الخليج"
 
الدكتور فريد الخازن:
 
الحرب التي اندلعت في تموز 2006 بين اسرائيل وحزب الله كانت حتمية نظراً للوضع الهش الذي كان قائماً في جنوب لبنان منذ الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000، وهو وضع كان مفتوحا على الصدام العسكري، اذ لم يكن يفصل بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي سوى شريط شائك، فلا اتفاقات ترعى الموقف هناك، ولا قوات دولية، ولا أي شيء آخر.
 
وقعت الحرب فخاضتها اسرائيل حرباً شاملة ومدمرة زجت فيها الامكانات العسكرية الضخمة، وراهنت على تحقيق هدفها كاملاً، اي سحق حزب الله، في تكرار لتجربة العام 1982 حين استطاعت اسرائيل ان تخرج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ولكن مع فارق أن هدف حرب 2006 كان إخراج حزب الله من قدراته العسكرية. فشلت اسرائيل فشلاً ذريعاً وغير متوقع في حساباتها بتحقيق هذا الهدف وأفضى ذلك الى تدخل مجلس الامن لايجاد وضع جديد من خلال اصدار القرار 1701 وتعزيز قوات الطوارئ الدولية الموجودة اصلاً في الجنوب ونشر الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية، واليوم فإن الوضع يختلف جذرياً عما كان عليه في 2006 بوجود دولي فاصل بين الجانبين . بالنسبة لاحتمالات الحرب الآن، فانني اعتقد ان حزب الله لن يعطي اسرائيل ذريعة لحرب جديدة، وسيكتفي الحزب بمراقبة الوضع والاستعداد لصد أي عدوان جديد إذا حصل. وكذلك في اسرائيل فإن الوضع اختلف ايضاً، اذ بعد رهانها على أن حرب 2006 ستكون الأخيرة على الجبهة اللبنانية، بحيث تنهي حزب الله عسكرياً، تفاجأ القادة الاسرائيليون بعدة عوامل، أهمها ان حزب الله يمثل شريحة شعبية كبيرة، وليس مجرد تنظيم عسكري يتمركز في ثكنات، وان مقاومته العسكرية طوال 33 يوماً كانت استثنائية وغير منتظرة، وثالثاً، تفاجأوا بقدرة الحزب على استهداف الداخل الاسرائيلي بقوة.

هذه العوامل غيرت في المعطى الاستراتيجي بحيث خسرت اسرائيل الهامش الذي كان لديها على المستوى الدولي قبل 2006، وقد جاءت الحرب الاسرائيلية الاخرى على قطاع غزة، وفشلها في تحقيق اهدافها، لتعميق المأزق الاسرائيلي. فقد واجه المجتمع الدولي اسرائيل بتقرير غولدستون الذي أحرجها، وأدى استمرار حصار غزة الى ازمة اسطول الحرية مع تركيا ودول عدة.
لذا على الرغم من القدرات العسكرية الهائلة لاسرائيل، فان فشل الحربين على لبنان وغزة، وعدم قدرتها على استثمارهما سياسياً. اسرائيل عاجزة عن خوض حرب لانها تعرف ما ينتظرها من رد عسكري من قبل حزب الله، ووضعها الداخلي يضغط لتجنب الحرب، كما أن الوضع الدولي اختلف عن وضع 2006. فهي لم تعد في موقع الضحية الذي طالما وظفته اسرائيل لجلب التعاطف معها في الرأي العام الدولي.
أميركياً، كان الرهان أيضاً على قدرة اسرائيل على الحسم سريعاً، وهذا الحساب تبين انه خاطئ، لذا فان الادارة الاميركية، وكذلك الجانب الاوروبي، لا يحبذون الحرب على الجبهة اللبنانية، والموضوع ليس في التداول الآن، وعلى الساحة الفلسطينية فقد سبق وجربت حرب غزة، وكانت فاشلة.
الحديث المتداول عن الحرب هو في امكان توجيه اسرائيل ضربة لايران تستهدف قدراتها النووية، ولكن لا اعتقد انها قادرة من دون مساعدة اميركا، ومن دون الضوء الاخضر الاميركي، وهو غير متوافر حالياً في ظل اجماع اميركي واوروبي وروسي وصيني على اعتماد خيار العقوبات. لذا استبعد ايضاً حصول هكذا حرب في المدى المنظور.
 
على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي فان جبهته الوحيدة المفتوحة هي جبهة لبنان، بعد ان وقعت آخر الحروب الاقليمية في العام 1973، ولا شك ان حرب تموز/يوليو أثرت بشكل مباشر على لبنان، وبشكل غير مباشر على الوضع في المنطقة، ولكن هنا أيضاً استبعد ان نكون على مشارف حرب عربية ـ اسرائيلية. فالصراع العربي الاسرائيلي محصور اليوم بالمستوى السياسي فقط، والواقع أن العرب اليوم في حالة انقسام حاد، بحيث انهم عاجزون عن خوض الحرب،بينما اسرائيل عاجزة عن الدخول في مفاوضات جدية تؤدي الى انهاء الصراع على اساس حل الدولتين وانسحاب اسرائيل من الاراضي المحتلة اضافة الى الشروط الاخرى المعروفة والمتداولة منذ العام 2000.
لا شك أن فشل اسرائيل في حرب 2006 عزز الموقع السوري والموقع الفلسطيني في معادلة الصراع، ولكن من دون امكانية استثمار ذلك سياسياً، بسبب الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني، والانقسام العربي ـ العربي. ولقد وفرت الأزمة التركية ـ الاسرائيلية فرصة للعرب لوضع اسرائيل تحت الضغط القوي وفي الزاوية، ولكن بشرط توفر موقف عربي موحد، وخصوصاً موقف فلسطيني موحد، ولما لم يتوفر هذا الشرط فإن فرصة ثمينة اخرى ضاعت .