Khazen

د. فريد الخازن : الفراغ مرحلة انتقاليّة لا نعرف متى تنتهي

رأى النائب الدكتور فريد الخازن أنّ الفراغ في لبنان ليس فراغ مؤسسات سياسيّة ودستوريّة فقط، بل هو فراغ في المساحة المشتركة بين اللبنانيين، لأنّنا في مرحلة انتقاليّة لا نعلم متى تنتهي او اذا كانت ستنتهي، وكذلك فان الفراغ يصيب العمل الحزبي والثقافة والاخلاق.

" همزة وصل " حاورت الدكتور الخازن على الشكل التالي:

– يبدو ظاهريّاً انّ الفراغ هو فراغ سدّة الرئاسة الاولى، ولكن الواقع أنّه فراغ يصيب كلّ شيء في البلد. ما رأيك؟

* صحيح. الفراغ الظاهر هو في المؤسّسات الدستورية، وبالتالي في الحياة السياسية، ونحن الان في مرحلة اعادة تكوين البلد. اي انّنا في مرحلة انتقالية لم تنته بعد وقد لا تنتهي. نعرف انّ الدولة كانت معطّلة وغائبة في مرحلة الحرب 1975
ذاً نحن امام متغيرين داخليّ وخارجيّ لم نجربهما بعد، والمهمّة اليوم هي ايجاد التوازن الداخليّ الجديد في ظل عودة القوى السياسيّة اللبنانيّة كلّها الى الساحة، وهي بالمناسبة آتية من اماكن وخلفيّات مختلفة. وللاسف  لم نجد بعد نقطة التوازن التي تجمع من جهة مصالح لبنان الوطنيّة (اذا كنا متفقين عليها )، ومصالح الاطراف السياسيّة. اذ لا يمكن تحقيق مصلحة وطنيّة جامعة اذا لم تكن نتيجة توافق مصالح ومواقف القوى السياسية. هذا الامر لم يتبلور بعد، وما زلنا في حالة المخاض ولم نصل الى نقطة التوازن الجديد التي تتيح لنا العودة الى النظام الديمقراطيّ التنافسيّ والى عودة السيادة الحقيقية وممارسة مؤسسات الدولة مهامّها بشكل كامل. والخطر الجديد اليوم هو تعرّض المؤسسات الامنيّة لاستهداف مباشر، وهي المؤسسات المولجة بحماية الناس فباتت الى حدّ ما بحاجة الى حماية.

– هذا على مستوى المؤسّسات التي لم نستطع بناءها بعد، ولكن ماذا على المستوى السياسيّ، اي الاسس السياسيّة للنظام؟

* نعم الفراغ ليس في غياب شخص ما عن موقع دستوريّ ما فحسب، بل هو غياب المساحة المشتركة في السياسة اللبنانيّة وفي الثقافة السياسيّة في هذا البلد. هذا الامر كان محور نقاش وسجال قبل الحرب، وكان احد امثلة النقاش يدور حول عروبة لبنان، وهل هو بلد ذو وجه عربيّ، او انتماء عربيّ الخ….

والسؤال اليوم اين المساحة المشتركة بين اللبنانيين على مستوى الهويّة الوطنيّة، اوعلى نظام القيم المطلوب ان نتوافق عليه، والى اي مدى هناك نظام قيم مشترك. وما هي خيارات اللبنانيين والاطراف السياسيّة خلاف ما هو معلن وما يسمى " مقبول سياسيّاً ". والى اي مدى سننتظر لكشف المستور من الاوراق. والخلاصة، الى اي مدى سيستمر لبنان في المرحلة الانتقاليّة، وبالتالي على اي مشروع دولة نحن متّفقون او غير متّفقين، هل هي دولة سيّدة ام تابعة، ديمقراطيّة او تحاصصيّة، موحّدة ام مفكّكة؟ هذا هو السؤال المركزيّ.

– في مواجهة اي وضع جديد لم يختبر كما ذكرت، من يمارس العمل السياسيّ واين هي الاحزاب التي يفترض ان تقوم بهذا الدور؟ اذ يبدو انّ لبنان في حالة فراغ حزبيّ كذلك؟

* الاحزاب السياسيّة كلّها في ازمة، سواء الاحزاب القديمة ( ما فوق عمر الستين ) او الاحزاب الطائفية الجديدة، او الاحزاب السياسية العلمانية. الكل في ازمة باستثناء حزب الله الذي لا يزال في مرحلة صعود ولديه امكانات هائلة وتنظيم كبير.

الاحزاب التقليديّة مأزومة لانّها كانت تتعاطى السياسة قبل الحرب، ثم تحولّت الى ميليشيات، والغت العمل السياسيّ واستبدلته بالعمل  السياسيّ "المعسكر"، ثمّ مع انتهاء الحرب قررت ان تعود بين ليلة وضحاها الى السياسة، وهذا غير ممكن. من جهة ثانية يجب ان تكون الاحزاب نموذجا للعمل السياسيّ، فاذا كان سلوكها يشبه العمل السياسيّ غير الحزبيّ، في تفكيره ووسائله وادائه، فما الجدوى منها. وللاسف بيّنت التجربة ان الاحزاب اللبنانيّة لا تختلف عن السلطة ولا عن القوى السياسيّة التي تعارضها او تنتقد سلوكها. فدخلت بعض الاحزاب في المنظومة السائدة: محاصصة ووراثة وفساد وزبائنيّة متمادية. فالحزب يصل الى السلطة لكي يحكم لا لينتفع الحزبيّون من الدولة، ويصل ليرسم سياسات او يناضل في المعارضة ضد سياسات معيّنة، ولا ينخرط في عملية توزيع مغانم السلطة.

المفهوم العصريّ للاحزاب اليوم لم يعد قائما على الايديولوجيا، بل على الممارسة الديمقراطيّة المنفتحة، واذا لم يكن الحزب كذلك فانه سيكون حزبا للحشد فقط. والاحزاب اللبنانيّة لا تتطابق مع هذا المفهوم العصريّ.

– ما دمنا في مرحلة جديدة ، الا يفترض ان نكون في ظروف مؤاتية لولادة احزاب جديدة؟

* نظريّاً نعم. ولكن لتقوم احزاب فاعلة يجب ان نحيا حياة سياسيّة طبيعيّة قائمة على التنافس الديمقراطيّ بين حكم ومعارضة. ولكن ما جرى انّه فور خروج السوريّ من لبنان ذهبت القوى الاساسيّة الى نظام محاصصة جديد عبر التحالف الرباعيّ، لتحافظ على مواقعها، ورغم وجود ساحتي 8 و 14 اذار، التقى الفرقاء من هنا وهناك واعادوا انتاج نظام المحاصصة. وبقي فريق واحد خارجه هو تيار العماد ميشال عون علما انه الاكثر تمثيلا في الوسط المسيحي. وهذا لم يحصل صدفة. اي ان القوى الممسكة بالبلد لم تتح ايّة فسحة للمجتمع ان يفرز ممثليه الحقيقيين او يعبّر عن نفسه في خيارات اخرى .

  ومن جهة ثانية يعجز المجتمع المدنيّ عن التعبير عن نفسه بسبب الانقسام الطائفيّ والمذهبيّ الحادّ في البلد واحاديّة التمثيل في بعض الطوائف، وخصوصا الطائفتين السنيّة والشيعيّة، بحيث يستحيل قيام بديل. وتنعدم المساحة السياسيّة والفضاء السياسي لتنشأ احزاب جديدة. وهنا عود على بدء اي فراغ المساحة المشتركة.

لا شكّ أن هيئات كثيرة تعمل في المجتمع المدني ولكن هل تستطيع أن تواجه بامكاناتها المحدودة الماليّة والتنظيميّة الهائلة للأحزاب المتحكّمة بالبلد. ألم نسمع بالأمس النائب سعد الحريري يغدق الأموال في الشمال؟

وما معنى هذا سوى أنه مصادرة للمسار الطبيعيّ للأمور، وقلب للآية. إذ إنّ الأحزاب تاريخياً كانت تناضل وتحصل على تمويلها من النّاس كتبرعات أو كاشتراكات شهريّة من الحزبيّين، أما اليوم ومع الأحزاب القائمة فإن الطائفة تعتاش بأموال الزعيم.

  • وماذا عن الواقع الثقافي، وهل يعاني هو أيضاً من الفراغ؟

أعتقد أن ثمة حركة ثقافية في البلد يقوم بها جيل من الشباب المبدعين، ويتميّزون عن الأجيال السابقة أنهم يجمعون الموهبة مع العلم. وثمة مظاهر إبداع وتفوق للبنانيّين في مجالات الإعلام والإعلان والسينما والرسم والكتابة. ولكن بالمقابل ثمة تراجع هائل لا مثيل له في الإعلام حيث تحول بمعظمه إلى منبر للتعارك السياسي. وأصبح اللبنانيون مدمنين على برنامج "التوك شو"، وغابت عن شاشاتنا الإبداعات الثقافية.

توجد حيوية ثقافية ولكنها تختلف عما كان في الماضي عندما كانت الثقافة تلامس السياسة، ربما لأن المثقفين كانوا حزبيين، وكانت الأحزاب في فترتها الذهبية غنية بالوجوه الفكرية والأدبية والشعراء والفنانين إلخ… اليوم وبعد أن غاب المثقفون عن أحزابنا أصبحت الحالة الثقافية منفصلة من الواقع السياسي، وابتعدت عنه. في السابق كانت لدينا قضايا كبيرة نناقشها وكانت إمكانية النقاش قائمة ولكن مع دخولنا الحرب الأهلية غابت كل فرص النقاش الهادئ ليحل السلاح محله. واليوم لم يعد هناك من قضايا سوى الفكر الديني وهو يعني المعنيين به فقط (المثقفون الإسلاميون). لذا لا أعتقد أن الحالة الثقافية بما هي حالة إبداع وغنى قادرة على التأثير الفعلي في الواقع السياسي الراهن. وفي المحصلة أجد أنه من الطبيعي أن تستقل الثقافة عن السياسة كي لا تتأثر فيها سلباً.

  • وكيف تقيم الواقع الأخلاقي؟

بداية على المستوى السياسي، الانحطاط الأخلاقي في أوجه، كذب وشتائم وخصوصاً في المبارزات على شاشات التلفزيون، وكذلك يلعب الإعلاميون دوراً في الاستفزاز وفي التحريض. غابت كل المعايير الأخلاقية ومعها حس المسؤولية. هذا التردي في الأخلاق السياسية والإعلامية، انعكس على المجتمع حيث يغيب ما كان يسمى الضمير المهني، وتكاد لا تجد حرفياً مثل النجار أو الميكانيكي يمارس عمله ويلتزم بمواعيده والأهم بجودة عمله. إلا إذا كانت تراقب عمله عن قرب. وهذا نتاج مباشر لغياب المساءلة والمحاسبة أولاً على المستوى السياسي، وتالياً على المستويات الأخرى، ونتاج لحالة الفلتان على كل الصعد. لقد اصبح اللبناني أكثر ميلاً إلى مخالفة القوانين وتجاوز القواعد والمعايير، إن لم نقل إسقاطها.

  • إزاء كل ذلك أين يمكن أن يحصل الاختراق نحو إعادة بناء المجتمع السليم والنظام الديموقراطي الحقيقي؟

لا أدري متى، ولا أدري ما هو هذا الاختراق، الفرز في لبنان حاد، أبيض وأسود. والمجتمع مفتت إلى درجة يستحيل فيها التفكير بقيام حالة ما مغايرة أو بعيدة عن طرفي النـزاع المتعدد الأوجه. لقد جرت محاولة معلنة وغير معلنة لقيام نوع من القوة الثالثة على المستوى السياسي علها تكون مقدمة للخروج من الفرز الحالي ولكنها كلها لم تستطع التأثير في مجرى الاحداث.

  • السؤال الأخير سياسي بامتياز ومن وحي أجواء الفراغ المطبق على كل مناحي الحياة في لبنان… هل سيذهب اللبنانيون مرة اخرى إلى الحرب الأهلية؟

لا أعتقد ذلك، وأجزم أن ظروف اليوم مختلفة عن ظروف العام 1975 حيث كانت الفصائل الفلسطينية موجودة والصراع الفلسطيني – السوري قائماً. اليوم تدرك جميع الأطراف أن الحرب لو وقعت فستكون حرباً لبنانية – لبنانية منذ اليوم الأول، أما في العام 1975 فكانت حروباً متعددة الأطراف، ولأنها ستكون كذلك فإنها ستسقط الكيان اللبناني بكامله فوق رؤوس الجميع، والكل يعلمون أنه يمكن معرفة كيف تبدأ الحرب ولكن لا أحد يعرف كيف تنتهي. لهذا السبب أعتقد أن الحرب الأهلية لن تقع, اقله في المدى المنظور.